حرفيات تونسيات يحرسن الموروث الثقافي ويطورنه عبر الأجيال
تمثل الحرف التقليدية في تونس فضاء يجمع بين الذاكرة الثقافية والعمل المنتج والإبداع المتجدد. وتؤدي الحرفيات التونسيات دورا محوريا في نقل المعارف والمهارات المرتبطة بالنسيج والتطريز والخزف والصناعات النباتية، مع تكييفها مع حاجات الحياة المعاصرة وأسواقها. ولا يقتصر هذا الدور على حفظ منتجات مادية، بل يشمل صون طرق العمل والرموز والزخارف والعلاقات الاجتماعية التي تمنح الحرفة معناها داخل المجتمع.
النسيج: ذاكرة تقنية وجمالية متجددة
يعد النسيج من أقدم مجالات الحرف في تونس وأكثرها تنوعا. وقد ارتبط تاريخيا بصناعة الأغطية والملابس والمفروشات والسجاد، وتطورت تقنياته وأشكاله بحسب المناطق والمواد المتاحة والعادات المحلية. وفي عدد من البيئات الريفية والحضرية، ظلت النساء صاحبات المعرفة العملية المرتبطة بإعداد الصوف، وضبط النول، وتركيب الألوان، وإنجاز الزخارف الهندسية.
بعد الاستقلال، عززت الدولة تأطير قطاع الصناعات التقليدية من خلال الديوان الوطني للصناعات التقليدية، الذي أنشئ سنة 1959، إلى جانب هياكل التكوين والتأطير الفني. وأسهمت هذه المؤسسات في دعم التدريب وتحسين الجودة والترويج للمنتجات، غير أن استمرارية المهارات ظلت تعتمد بدرجة كبيرة على الحرفيات أنفسهن وعلى انتقال الخبرة داخل الأسر والمجتمعات المحلية. [1]

المرقوم: زخارف تنسج من الذاكرة والخيال
يعد المرقوم من أبرز أشكال النسيج المسطح في تونس، ويتميز بزخارف هندسية منسوجة، غالبا ما تقوم على المعين وما يتفرع عنه من رموز. ولا تنحصر عملية صنعه في تنفيذ نموذج جاهز؛ إذ توظف الحرفية خبرتها في توزيع الأشكال وضبط الإيقاع البصري والتوفيق بين الألوان. ولذلك يجمع المرقوم بين العمل اليدوي الدقيق والقرار الجمالي، ويعكس في كل منطقة أسلوبا خاصا في التصميم والاستعمال. [2]
إن الحفاظ على المرقوم لا يعني تكرار نماذج الماضي حرفيا، بل يتطلب توثيق التقنيات، وتأمين انتقالها إلى أجيال جديدة، وتشجيع التعاون بين الحرفيات والمصممين، وتطوير منتجات تحترم هوية الحرفة وتستجيب في الوقت نفسه لاستخدامات معاصرة.

التطريز: هوية محلية تحملها الملابس
يشترك التطريز مع النسيج في ثرائه الإقليمي وتنوع رموزه ومواده. وقد ازدهر في مدن ومناطق تونسية متعددة، وارتبط خصوصا بملابس المناسبات والأعراس وبزينة الأقمشة المنزلية. وغالبا ما تعلمت الفتيات مبادئه في سن مبكرة من الأمهات والقريبات، فكان انتقال المهارة جزءا من التنشئة الاجتماعية ومن بناء الذاكرة النسائية داخل الأسرة.
وتكشف اختلافات الغرز والألوان والتكوينات عن هويات محلية مميزة، لذلك يمثل التطريز سجلا بصريا يمكن من خلاله قراءة الانتماء الجغرافي والوضع الاجتماعي والذوق الجمالي والتحولات التي عرفها المجتمع. غير أن استدامة هذا الفن تقتضي حماية المعرفة من الاختزال في الزينة التجارية، وضمان نسب التصاميم إلى بيئاتها وحاملات خبرتها.

فخار سجنان: تراث حي تقوده النساء
يمثل فخار نساء سجنان، في شمال تونس، واحدا من أوضح الأمثلة على التراث الحي الذي حافظت عليه النساء وطورنه. تبدأ العملية بجمع الطين وإعداده، ثم تشكيل القطع يدويا بتقنية الحبال الطينية، وتجفيفها وحرقها وتزيينها بمواد وألوان طبيعية. وتشمل المنتجات أواني الاستعمال المنزلي والدمى والأشكال الحيوانية المستوحاة من البيئة المحلية.
في سنة 2018، أدرجت اليونسكو مهارات فخار نساء سجنان على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. ويؤكد ملف الإدراج أن النساء ينجزن مختلف مراحل الصناعة ويضطلعن أيضا بدور في بيع المنتجات، وهو ما يمنح الحرفة بعدا اجتماعيا واقتصاديا إلى جانب قيمتها الثقافية. [3]
وتوضح تجربة سجنان أن صون التراث لا ينفصل عن تحسين شروط عمل الحرفيات، وتطوير قنوات التسويق، وحماية الأصالة التقنية والرمزية للمنتجات من التقليد أو الاستغلال غير المنصف.

الحلفاء والمواد النباتية: من الحاجة اليومية إلى التصميم المعاصر
اعتمدت الصناعات النباتية في تونس على مواد محلية مثل الحلفاء والسمار وألياف النخيل. وقد استخدمت هذه المواد في صناعة الحصر والسلال والقفاف وأدوات التخزين والاستعمال اليومي. وتنتشر الحلفاء خصوصا في مناطق الوسط والوسط الغربي، بينما توفر الواحات موارد نباتية أخرى قابلة للنسج والضفر. وتظهر المصادر التاريخية أن هذه النباتات كانت موردا اقتصاديا مهما لعدد من الأسر والمجتمعات المحلية. [4]
طورت الحرفيات هذه المنتجات من خلال تحسين التشطيب، وتنويع الأشكال، وإدخال وظائف جديدة تناسب المنازل والأسواق الحديثة. ففي القيروان والقصرين ومناطق الساحل والجنوب، تتخذ الحصائر والسلال أشكالا متعددة، بينما تعرف جهة قابس صناعات تعتمد على الحلفاء والسمار وألياف النخيل. ويسمح هذا التطور للحرفة بأن تبقى قابلة للاستعمال وألا تتحول إلى مجرد قطعة للعرض.

الحرفيات بين صون التراث والتمكين الاقتصادي
لا يقتصر دور الحرفيات على إنتاج أشياء جميلة أو حفظ تقنيات قديمة؛ فعملهن يسهم في استمرار الذاكرة الجماعية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتوفير الدخل للأسر، وخلق فرص عمل في مناطق قد تكون فيها البدائل محدودة. وتؤكد برامج تطوير الصناعات الإبداعية أن دعم سلاسل القيمة الحرفية يمكن أن يخلق وظائف لائقة ومستدامة، ولا سيما للنساء، عندما يقترن بالتكوين والتصميم والوصول إلى الأسواق والتمويل. [5]
ومع ذلك، لا يتحقق التمكين الاقتصادي تلقائيا بمجرد ممارسة الحرفة. فهو يحتاج إلى أجر عادل، واعتراف بملكية الحرفيات للمعرفة والتصاميم، وتحسين ظروف العمل، وتيسير التسجيل والحماية الاجتماعية، وتطوير مهارات التسويق الرقمي وإدارة الأعمال. كما يحتاج إلى سياسات تمنع تحويل التراث إلى مورد تجاري منفصل عن المجتمعات التي حافظت عليه.

تحرس الحرفيات التونسيات موروثا لا يعيش في المتاحف وحدها، بل في حركة اليد، وفي المعرفة المتراكمة، وفي العلاقة بين المواد المحلية والذاكرة والابتكار. ومن النسيج والتطريز إلى فخار سجنان والصناعات النباتية، تكشف هذه الحرف عن قدرة النساء على الجمع بين الاستمرارية والتجديد. ومن ثم، فإن حماية هذا التراث تبدأ بالاعتراف بحاملاته، وتوثيق معرفتهن، وضمان استفادتهن العادلة من القيمة الثقافية والاقتصادية التي يصنعنها.
المراجع
1. مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة. (د.ت.). المرأة والثقافة والإبداع في تونس [Femme, culture et créativité en Tunisie]. تونس: كريديف. متاح في فهرس مركز كريديف.
2. الديوان الوطني التونسي للسياحة. (د.ت.). الصناعات التقليدية في الجهات التونسية [Artisanat des régions tunisiennes]. موقع اكتشف تونس. تاريخ الاطلاع: 6 أغسطس 2026.
3. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. (2018). مهارات فخار نساء سجنان [Pottery skills of the women of Sejnane]. القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ملف رقم 01406.
4. Encyclopédie berbère. (2012). Alfa. OpenEdition Journals. (يتناول نبات الحلفاء واستعمالاته التقليدية في بلاد المغرب، بما فيها الحرف النسائية في تونس).
5. منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية. (2023). الصناعات الإبداعية: دعم سلاسل قيمة الحرف والتصميم [Creative Industries: Supporting Handicrafts and Design Value Chains]. فيينا: UNIDO.
6. اليونسكو. (2018). قرار اللجنة الحكومية الدولية 13.COM 10.B.38: إدراج مهارات فخار نساء سجنان على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
7. La Presse de Tunisie. (2 أبريل 2026). Poterie de Sejnane: un héritage ancestral féminin à préserver. مصدر صحفي تكميلي، وليس بديلا عن ملف اليونسكو الرسمي.


Jusooruha ’Magazine – MENA Impact Women. All rights reserved
مجلة جسورها – منصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. جميع الحقوق محفوظة
ريم بن عامر هي خريجة برنامج التمكين الاستراتيجي لمنصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وعضوة في شبكتها الإقليمية للمهنيات. اطّلع على مشروع ريم.

