تمكين المرأة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط: ثلاث حالات طارئة تهدد الاستقرار الاقتصادي والمهني للفتيات والسيدات

استطلاع منصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط يكشف الضغوط المرتبطة بالدخل والعمل الملائم والمستقبل الرقمي

ماذا يحدث حين تواجه الفتيات والسيدات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم امتلاكهن مؤهلات علمية متقدمة، غلاء المعيشة وندرة فرص العمل الملائمة وتحولات الذكاء الاصطناعي؟ يعرض المقال نتائج استطلاع «الفتيات والسيدات تحت الضغط» الذي أجرته منصة سيدات التأثير، ويكشف انعكاس هذه التحديات على استقرار الدخل، والوصول إلى العمل، والحاجة إلى تطوير المهارات، ولا سيما الرقمية منها.

تكشف نتائج جديدة صادرة عن أحدث استطلاع لمنصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وهي منصة مستقلة حديثة التأسيس تقودها سيدات وتعمل على تطوير البحوث والتمكين الاستراتيجي والمبادرات الإقليمية، عن ثلاثة ضغوط ملحّة تعيد تشكيل المستقبل المهني للفتيات والسيدات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويبرز الاستطلاع، الذي شاركت فيه فتيات وسيدات من مصر والجزائر وتونس وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أنهن يعشن مرحلة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة؛ إذ يضعف ارتفاع تكاليف المعيشة أمنهن المالي، وتظل فرص العمل المهنية الملائمة صعبة المنال، فيما يغيّر توسع الذكاء الاصطناعي طبيعة المهارات وأشكال العمل التي ستحدد فرص مشاركتهن مستقبلاً.

وتقدّم البيانات الحديثة المستخلصة من استطلاع منصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط حول “الفتيات والسيدات تحت الضغط“، وهو استطلاع متواصل باللغة العربية أُطلق في أبريل 2026، مؤشرات مباشرة إلى حجم هذه الضغوط وانعكاساتها على حياة المشاركات. وتكشف النتائج الأولية عن ثلاثة تحديات ملحّة ومترابطة تمسّ أمنهن الاقتصادي، وفرصهن المهنية، وقدرتهن على الاستعداد لمستقبل عمل تعيد التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيله.

وتشير النتائج الأولية إلى ثلاثة تحديات ملحّة ومترابطة.

أولا، أزمة تكاليف المعيشة تقوّض الأمن الاقتصادي للفتيات والسيدات

يُعد الضغط الاقتصادي التحدي الراهن الأكثر وروداً في إجابات المشاركات. فقد أفادت 63.5% من المستجيبات بأن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخل يمثلان من أبرز الصعوبات التي تؤثر في حياتهن.

ويحدث هذا الضغط رغم ارتفاع المستوى التعليمي للمشاركات؛ إذ تحمل 50% منهن شهادة جامعية، و40.4% شهادة ماجستير، و9.6% شهادة دكتوراه. غير أن التحصيل العلمي لم يضمن لهن الأمن المالي.

فقط 42.3% من المستجيبات وصفن دخلهن بأنه مستقر. في المقابل، أفادت 38.5% بأن دخلهن غير مستقر إلى حد ما، ووصفت 15.4% دخلهن بأنه شديد الاضطراب، بينما لم يكن لدى 3.8% أي دخل. وبذلك، كانت 57.7% من المشاركات يعانين شكلاً من أشكال عدم استقرار الدخل أو لا يحصلن على دخل على الإطلاق.

كما تسير الأوضاع المالية في اتجاهات متفاوتة. فخلال الاثني عشر شهراً السابقة للاستطلاع، أفادت 32.7% من المستجيبات بأن أوضاعهن المالية قد تدهورت، مقابل 28.8% شهدن تحسناً، بينما لم تسجل 38.5% أي تغير ملحوظ.

ولا تقتصر آثار هذه الضغوط على القدرة على تلبية الاحتياجات الحالية. فمن دون دخل موثوق، قد تجد الفتيات والسيدات صعوبة أكبر في الاستثمار في التعلم المستمر، أو تغيير مسارهن المهني، أو الانتقال من أجل العمل، أو تطوير نشاط مستقل.

وتعكس الأولويات التي أبلغت عنها المشاركات هذه الحقيقة، إذ اعتبرت 61.5% منهن أن تحسين الدخل أو تحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي يمثل أحد أهم أشكال الدعم التي يحتجن إليها حالياً.

ثانيا، فرص العمل المتاحة لا تتلاءم مع مهارات الفتيات والسيدات وواقعهن

تتمثل الحالة الطارئة الثانية في الفجوة بين قدرات الفتيات والسيدات والفرص المهنية المتاحة أمامهن.

فقط 51.9% من المستجيبات كن يعملن بدوام كامل. أما بقية المشاركات فكن يعملن بصورة مستقلة بنسبة 21.2%، أو في وظائف غير رسمية بنسبة 11.5%، أو يتفرغن للأعمال المنزلية بنسبة 7.7%، أو يعملن بدوام جزئي بنسبة 5.8%، أو يواصلن الدراسة بنسبة 1.9%.

ويشير الاستطلاع إلى أن هذا الوضع لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه ناتج عن عدم الاستعداد للعمل. فعندما سُئلت المشاركات عما إذا كان بإمكانهن الاستفادة من فرصة أفضل للعمل أو الدخل، أجابت 65.4% بأنهن يستطعن القيام بذلك بسهولة، بينما أفادت 26.9% بأنهن قادرات على التحرك، ولكن مع بعض الصعوبة.

وكان أكبر عائق هو غياب الفرص الملائمة، وهو ما أفادت به 55.8% من المشاركات. كما أثرت صعوبات التنقل أو الوصول إلى مكان العمل في 36.5% منهن، بينما أشارت 30.8% إلى نقص المهارات أو الخبرة، وذكرت 25% وجود قيود مالية.

ونظراً إلى أن المستجيبات كان بإمكانهن اختيار أكثر من إجابة، فإن هذه العوائق غالباً ما تتداخل فيما بينها.

ويُعد التمييز بين الوظيفة المتاحة والفرصة الملائمة أمراً أساسياً. فقد تظل فرص العمل غير متاحة فعلياً عندما لا تتوافق مواقعها أو تكاليفها أو ظروفها أو المهارات المطلوبة فيها مع الواقع الفعلي للفتيات والسيدات.

وتظهر هذه الفجوة أيضاً في القدرة على اتخاذ القرارات المهنية. ففي حين أفادت 46.2% من المشاركات بأنهن يمتلكن الحرية والمعرفة اللازمتين لاتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل، ذكرت 46.2% أخريات أن لديهن حرية اتخاذ القرار، لكنهن يفتقرن إلى المعرفة الكافية لاتخاذه بصورة فعالة.

وتؤكد أولويات المستجيبات الرسالة نفسها. فقد اختارت 63.5% منهن الحصول على فرصة عمل ملائمة باعتبارها إحدى الاحتياجات الرئيسية، وهي أعلى نسبة مسجلة في الاستطلاع، بينما اعتبرت 25% أن القدرة على التنقل أو العمل بحرية تمثل حاجة أساسية.

ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تشجيع الفتيات والسيدات على المشاركة، بل في ربط مؤهلاتهن واستعدادهن للتحرك بفرص عمل ومعلومات وأشكال دعم تكون متاحة لهن بصورة فعلية.

ثالثا، التحول نحو الذكاء الاصطناعي قد يخلق فجوة جديدة بين الجنسين

يسرّع الذكاء الاصطناعي التحولات الجارية بالفعل في أسواق العمل. فهو يغيّر المهام المهنية، وعمليات التوظيف، وأساليب التواصل، وريادة الأعمال، والمهارات التي يستخدمها الأفراد لإنتاج قيمة اقتصادية.

لم يطلب الاستطلاع من المشاركات تقييم الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة، غير أن نتائجه تكشف عن مجموعة من الظروف التي قد تحدد ما إذا كانت الفتيات والسيدات سيستفدن من هذا التحول أم سيجدن أنفسهن أكثر تهميشاً.

فقد اعتبرت نصف المستجيبات، أي 50%، أن الغموض بشأن المستقبل أو صعوبة التخطيط يمثلان تحدياً رئيسياً في الوقت الراهن. وأفادت 26.9% بوجود نقص في المهارات، ولا سيما المهارات الرقمية، بينما أشارت 7.7% إلى ضعف خدمات الإنترنت والخدمات الرقمية أو انقطاعها.

وعندما سُئلت المشاركات عما يحتجن إليه أكثر لتحسين فرصهن في العمل أو الدخل، اختارت 51.9% تعلم مهارات جديدة، وخاصة المهارات الرقمية. كما اعتبرت 9.6% أن الوصول إلى الإنترنت أو التكنولوجيا يمثل حاجة أساسية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن المؤهلات التعليمية وحدها قد لا تعود كافية في سوق عمل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيله. فالفتيات والسيدات يحتجن إلى فرص لتحديث قدراتهن، وفهم التحولات الجارية في القطاعات التي يعملن فيها، واستخدام الأدوات الجديدة ضمن مسارات مهنية واضحة.

لكن التدريب الرقمي إذا قُدّم بصورة منفصلة لن يكون كافياً لحل المشكلة الأوسع. فقد أظهر الاستطلاع أن الاحتياجات المتعلقة بالمهارات تتزامن مع عدم استقرار الدخل، وغياب الفرص الملائمة، وعوائق التنقل، والغموض بشأن المستقبل.

لذلك، يتطلب إعداد الفتيات والسيدات لاقتصاد يقوم بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي مزيجاً من التعلم الملائم، والوصول إلى التكنولوجيا، والتوجيه الاستراتيجي، والمسارات العملية المؤدية إلى العمل أو توليد الدخل.

ومن دون هذا الدعم الأشمل، قد يعيد التحول الرقمي إنتاج الفجوة نفسها الظاهرة بالفعل في البيانات؛ إذ قد تستمر الفتيات والسيدات في اكتساب المعرفة من دون القدرة على تحويلها إلى عمل مستقر أو أمن اقتصادي أو تقدم مهني.

بيانات حديثة لمنطقة تتغير بسرعة

تكشف النتائج عن سلسلة مترابطة من الضغوط. فارتفاع تكاليف المعيشة يضعف الأمن الاقتصادي، ومحدودية الفرص الملائمة تمنع تحول التعليم والخبرة إلى مسارات مهنية مستقرة، بينما تزيد التحولات الرقمية المتسارعة من الحاجة إلى مهارات جديدة وتجعل التخطيط للمستقبل أكثر صعوبة.

ويظهر الاستطلاع أيضاً الأولويات التي تركز عليها الفتيات والسيدات في الوقت الراهن، وهي الحصول على عمل ملائم بنسبة 63.5%، وتحسين الدخل أو تحقيق الاستقرار المالي بنسبة 61.5%، واكتساب مهارات جديدة، ولا سيما المهارات الرقمية، بنسبة 51.9%.

ولا يزال استطلاع منصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط حول الفتيات والسيدات تحت الضغط متواصلاً. ومع جمع المزيد من الإجابات من مختلف أنحاء المنطقة، سيستمر الاستطلاع في توفير بيانات محدثة حول كيفية تأثير التحولات الاقتصادية والمهنية والاجتماعية والتكنولوجية في حياة الفتيات والسيدات وفرصهن.

وفي وقت تتغير فيه الظروف بسرعة، تكتسب البيانات الإقليمية الحديثة أهمية أساسية، لأنها تتيح تجاوز الافتراضات العامة وتحديد الضغوط التي تعيشها الفتيات والسيدات، والاستجابات التي يعتبرنها أكثر إلحاحاً، بدرجة أكبر من الدقة.

Jusooruha ’Magazine – MENA Impact Women. All rights reserved

مجلة جسورها – منصة سيدات التأثير لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. جميع الحقوق محفوظة